اسماعيل بن محمد القونوي
376
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
عليه ) أي على اللّه تعالى ( ثوابا فإنها لما وجبت عليه شكرا لما عدده عليه من النعم السابقة ) لأنه تفضل وأنعم بنعم كثيرة لا يحصى نوعها فضلا عن أشخاصها والشكر الذي يجب عليه لا يستطيع أداؤه في مقابلة بعض منها فكيف يستحق بعبادته شيئا آخر ومن هذا قال المص طاب ثراه ( فهو كأجير أخذ الأجر ) الجزيل والعوض الجميل أضعافا مضاعفة ( قبل العمل ) القليل بل الحقير أما يستحيي ذلك الأجير أن يطلب ويتمنى الأجر بعد العمل وهذه الدلالة استفيدت من تعليق الأمر بالعبادة بالرب المنعم الذي غمر عباده بالإنعام وفي قوله تعالى : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ . . . . . لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 21 ] حيث لم يجئ لعلكم تعبدون ولم يجئ أيضا اتقوا ربكم لعلكم تتقون تنبيه على أن التقوى قصارى أمر العبادة فيكون أشد بعثا على العبادة وبهذا الاعتبار تحصل المناسبة بين أول الكلام وآخره فيكون من قبيل ختم الكلام بما يناسب ابتداؤه في المعنى وهو تشابه الأطراف في اصطلاح أهل البديع ولا يكون من قبيل اضرب زيدا لعلك تضربه إذا قيل : اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون كما ذهب إليه أبو حيان ردا على الكشاف إذ المراد في لعلكم تعبدون « 1 » راجين أن تنخرطوا في سلك ومنتهى جهده فإذا قال : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [ البقرة : 21 ] للاستيلاء على أقصى غاية العبادة كان ابعث على العبادة وأشد الزاما لها في النفس ونحوه أن تقول لعبدك احمل خريطة الكتب ملكتك يميني إلا لجر الأثقال ولو قلت لحمل خريطة الكتب لم يقع في نفسه ذلك الموقع إلى هنا كلامه قوله : فهلا قيل تعبدون معناه السؤال عن ترك صنعة بديعية هي رد العجز على الصدر المومئ إليه بقوله ليتجاوب طرفا النظم وهو أن يجعل أحد اللفظين المكررين في أول الفقرة والآخر في آخرها كقوله تعالى : وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [ الأحزاب : 37 ] وقوله عز وجل : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [ نوح : 10 ] وكقول الشاعر : سريع إلى ابن العم يلطم وجهه * وليس إلى داعي الندا بسريع ونحو سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل وأول الآية هنا الأمر بالعباد وآخرها ذكر التقوى فلو جعل مقدمتها تابعة لساقتها بأن يقال يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا [ النساء : 1 ] أو يقال لعلكم تعبدون لحصل المطلوب وحاصل الجواب أن التجاوب والتوافق حاصل من حيث المعنى مع اعطاء معنى المبالغة وهي أن التقوى عرفا عبارة عن الاتيان بجميع المأمورات والانتهاء عن جميع المنهيات وإليه أشار بقوله والتقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده قال الطيبي ويمكن أن يكون الأسلوب من باب الترقي والمراد في لَعَلَّكُمْ [ البقرة : 21 ] معنى الترجي لكن معناه راجع إلى المكلف أي اعملوا في عبادة ربكم عمل من يرجو الترقي فيها من الأهون إلى الأغلظ وقال الفاضل أكمل الدين قوله ليتجاوب النظم أي يتوافق كأن بعضه يجيب بعضا ويكون فيه الحث البالغ على المأمور به معنى من حيث إنه علل العبادة أو التقوى بنفسها لا بشيء آخر فهي مطلوبة لذاتها وللصنعة البديعية ومعنى الجواب أنه التفت لفت المعنى فجيء بالأبلغ وما هو غاية العبادة والصنيعة اللفظية موضوعة عند براعة المعنى .
--> ( 1 ) ولو قيل معنى اضرب زيدا لعلك تضرب اضرب زيدا كي تدخل في زمرة ضاربي زيد يصح ذلك الكلام أيضا وإنما المحذور في إبقائه على ظاهر هنا وهناك نظيره صورة اتحاد الشرط والجزاء وقد أولوا هنا بمثل ما ذكرناه .